الشيخ محمد الصادقي

28

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

182 - فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً : ظلما أَوْ إِثْماً هو ما يبطى عن الواجب فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وهم الموصي والموصى لهم والورثة ، أوهم بعد موت الموصي فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ خلاف ما يظن أن تبديل الوصية إثم مطلقا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ عما يتقول خلاف الحق ، وما يوصى خلاف العدل بعد تبديله إلى الحق رَحِيمٌ بمن استغفر ومن أزيل جنفه أو إثمه . 183 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرضا ثابتا عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أن تصوموا عن هامة الشهوات فيصومكم تركها عن الطغوى كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مهما اختلفا مادة ومدة وكيفية لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ محاظير الجسم والروح ، فرديا وجماعيا ، فلا صوم فيما يضر بالجسم فإنه خلاف طليق التقوى ، كما لا صوم إذا أضر بالروحية الإسلامية . 184 - وذلك أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ محدودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فيعسر عليه الصيام فيهما فكتب عليه عدة عديدها مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فلا يجوز لهما ، وكذا لا يجب الصيام ما هما مطيقان وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ حرجا غير معسر حيث تستأصل طاقاتهم بالصيام فِدْيَةٌ عن كل يوم هو طَعامُ مِسْكِينٍ ولكنّه يجوز لهم راجحا ، وإنما لا يجب لمكان الإطاقة المحرجة : فَمَنْ تَطَوَّعَ تكلف طاعة هي هنا غير مفروضة خَيْراً ومن أفضله الصيام فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من الإفطار والفدية وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ من تركه هنا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ولا تختص الإطاقة بالهرم ، وحين لا يجب على المطيق بل يرجح فهل يحرم على غير المطيق مريضا أو مسافرا ، فما هما إلا مصداقين للعسر حيث يحرم الصيام ، ففي اليسر يجب الصيام ، وفي العسر يحرم ، وبينهما عوان الحرج فراجح . 185 - و " أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ " هي شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جملة في ليلة القدر مجملا ومحكما ، حال كونه بتفصيله هُدىً لِلنَّاسِ عالية غالية إذ هي وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فالقرآن هو الوحيد بين كتابة الوحي جمعا بين شرعة اللّه وفرقانه فَمَنْ شَهِدَ : حضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ أن كان حاضرا في رمضان في أي يوم منه حيث إن مرجع الضمير هنا هو ما صدق " الشَّهْرَ " رمضان ، وإلا فالمعني : من شهد كل رمضان فليصمه بعد شهوده ، اي عليه صوم رمضان بعد مضيّه كله ! فهنا استخدام للضمير الغائب فَلْيَصُمْهُ كله ، فلا يسمح له بما ينقض صومه كمرض أو سفر أو إطاقة باختياره وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مرضا وسفرا معسرين ، إذ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والعسر هو فوق الحرج ، فهل إن الأسفار غير المعسرة للصيام ولا سيما كهذه التي نعيشها تفطر الصيام ، وبعضها أيسر من الحضور ، فإنما رفض الصوم وفرض عدة من أيام أخر على المعسرين " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ المكتوبة عليكم وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ بالقرآن ككل وبالصيام ، لعلكم تتقون وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعماءه كما تستطيعون . 186 - شهر رمضان هو منزل القرآن والدعاء ، ف وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي قربا وإجابة فالجواب إني قَرِيبٌ إليهم ، وأقرب منهم إليهم مكانة لا مكانا " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " ( 50 : 16 ) علما وقدرتا ، إذ أُجِيبُ كما يصلح دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ دون تجربة أو قال دون حال وأعمال ، إذا فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي دعوتي للدعاء ، ودعاءهم توحيدا كما يصلح وَلْيُؤْمِنُوا بِي أني أجيبهم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ إلى مصالح دعواتهم ، وصالح الدعاء له صالح الإجابة في الدنيا والآخرة .